لم يكد يجفّ حِبر لوائح إنتخابات 2005 حتّى مزّقتها قوى 14 آذار بإنقلابها على التفاهمات التي أوجدت الحلف الرباعي و تركت التيّار الوطني يخوض الإنتخابات منفرداً. فسلاح الأبطال و الحقّ كما وصفه وليد بك من بنت جبيل قبل اللإنتخابات، أصبح سلاح الغدر بلسان الوليد نفسه. غدرٌ لم يكن في الحسبان لدى حزب الله، إلّا أنّ السياسة كعادتها لا تعرف صداقة دائمة و لا عداوة دائمة بل تعرف مصلحة دائمة.

مرّت سنة على الإنتخابات فإذا بحزب الله يضع يده بيد التيّار الوطني الحر في مفاجَئة غير مفاجِئة في شباط 2006. فالحزب وجد في الجنرال عَون، بزعامته و حجم تمثيله للساحة المسيحيّة، حليفاً إستراتيجياً له، مستعدٌ للقبول بسلاحه على أساس تفاهم منطقي واقعي يضع النقاط على الحروف.
إنّه أحد الأسباب الحقيقية لهذا التحالف لا بل السبب الرئيسي له. فمن الغباء الإعتقاد أنّ إرادة حزب الله الإصلاحيّة تصبّ في بحر الإصلاحات التي يسعى إليه الجنرال عون.

فالحزب دخل البرلمان عام 2000 و شارك في إصدار القرارات الحكوميّة التي كان من شأنها أن أوصلت الحالة الإجتماعيّة و الماديّة للشعب اللبناني إلى ما هو عليه اليوم. حتّى أنّ الخطاب السّياسي للحزب تغيّر مضمونه بين ما كان عليه قبل شباط 2006 و ما بعده. فالمواضيع الإجتماعيّة و الإقتصاديّة للبلاد أصبحت ضيفاً جديداً حاضراً في خطابات السيّد نصرالله الذي يعرف تماماً مدى حساسيّة هذه المواضيع و قدرة تأثيرها على المواطن و يُتقن بالتالي إستخدامها لتوجيه الإنتقادات للفريق الحاكم.
و بالرغم من أنها إنتقادات محقّة إلّا أنّ هدف حزب الله الحقييقي بالتكلم عنها ليس التغيير فيها، إنما التحريض على الأكثرية الحاكمة بهدف إسقاطها، بعد رفضها إبقاء السلاح بيد المقاومة، و ذلك عبر مظاهرات و إعتصامات بحجّة البطالة و غلاء المعيشة.

بالنتيجة، ما أوجد الحلف الرباعي عام 2005 هو نفسه الذي أوجد الحلف الثلاثي (حزب الله، أمل، التيار الوطني) عام 2006 : إنّه القبول بإبقاء السلاح بيد المقاومة من قِبَل الطرف الآخر.
هذا السلاح هو نقطة قوّة حزب الله خارجيّاً في مواجهة إسرائيل، و نقطة ضعفه داخليّاً في مواجهة أخصامه السياسيين، و بالتالي فإنّ حزب الله مستعدٌ للتحالف مع أيّ طرف سياسي، مفسدٌ كان أم مُصلِح، شرط أن يقدّم هذا الأخير ضمانات لإبقاء السلاح بيد الحزب.
و يبدو أنّ فريق 14 آذار قد فهم هذه المعادلة بوضوح، فهو اليوم و بالرغم مِن فوزه بالأكثريّة في إنتخابات 2009، يمدّ يده لحزب الله لمشاركته في الحكم، مقدّماً الضمانات الازمة حول مسألة السلاح و ذلك عبر بيان وزاري " يكتب فيه حزب الله ما يشاء "، و الكلام لسعد الحريري.

و لكن...

هل هي المواطنيّة و القوميّة و النخوة التي وُلدت فجأة عند تلامِذة كندوليزا رايس و العزيز جيف؟ طبعاً لا... بل إنّها مناورة تهدف إلى تفكيك المعارضة و إبعاد حزب الله عن التيّار الوطني الحر، بهدف عزل الأخير.
فسياسة الأكثريّة تجاه العماد عون أصبحت واضحة، فهي تسعى إلى إقصاء تيّاره عن الحكم و كأن لا حق للمسيحيين أن يتمثّلوا بالحكم إلّا إذا محكومين و خاضعيين تماماً لسيّد قريطم و أسياده الوهّابيين، حال الكتائب و القوّات البنانيّة، التي ما انفكّت تبرّر لوليد بك خطاباته العنصريّة بحق الموارنة.

لكن يبقى السؤال : هل يراهن حزب الله مجدّداً على مَن أخطأ الرهان عليه سابقاً و يتخلّى عن مَن لم يخطئ الرهان عليه لحظة؟

إنّ ذلك سيكون...عَربدة سياسية بإمتياز

يوسف عزالدين